عبد الوهاب الشعراني
262
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وروى أبو داود واللفظ له والحاكم وقال : صحيح الإسناد والنسائي : « أنّ أعرابيّا جاء إلى النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه إنّي أصبت امرأة ذات حسب ومنصب ومال إلّا أنّها لا تلد أفأتزوّجها ؟ فنهاه ، ثمّ أتاه الثّانية ، فقال له مثل ذلك ؟ ثمّ أتاه الثّالثة فقال : تزوّجوا الودود الولود فإنّي مكاثر بكم الأمم يوم القيامة » . وروى البيهقي أن عمر رضي اللّه عنه كان يقول : حصير في بيت خير من امرأة لم تلد ، واللّه تعالى أعلم . [ الرحمة بالعباد : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نكون رحمة بين العباد وميزان عدالة بين الناس لا نحيف على واحد دون آخر فنرغب مثلا الزوج في الوفاء بحق زوجته وحسن عشرتها ، ونرغب المرأة في الوفاء بحق زوجها وطاعته وعدم مخالفته ونتلو على كل واحد منهما ما ورد في ذلك في حقه عن الشارع صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا العهد قل من يعمل به الآن لأمور يطول شرحها ، وأولى الناس بالعمل به حملة القرآن والعلم لاطلاعهم على ما ورد في ذلك بخلاف العوام والظلمة فإن أكثرهم لا يكاد يعرف أصول الدين فضلا عن فروعه ، وينبغي للفقيه إذا وعظ النساء والرجال أن يذكر لكل فريق ما عليه من الحق للآخر . وقد دخل الأمير محيي الدين بن أبي أصبغ أحد أركان الدولة بمصر المحروسة يوما فرأى قارىء البخاري لعياله في البيت يقرأ عليهن حقهن على الزوج ؛ فقال له : يا أعمى القلب اذكر لهن ما عليهن من حق الزوج أولا ، لأننا لا نطيقهن مع جهلهن بما لهن علينا من الحق فكيف نطيقهن إذا عرفن الحقوق التي لهن علينا ؟ ا ه . فإياك يا أخي إذا عرفت العلم أن تتخذه سلاحا تقاتل به كل من له عليك حق ، فإن ذلك حق أريد به باطل ، وربما عملت يا أخي بالأقوال التي ليست في مذهبك وخاصمت بها زوجتك وظفرت عليها بالحجج حتى تقهرها وتظهر للناس أنها ظالمة ، والحال بخلاف ذلك ، والناقد بصير . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يبين له طرق السياسة وتمهيدها لكل خصم حتى يكون كل منهما يبادر إلى إعطاء ما عليه من الحق لما لنفسه من الحظ والمصلحة ، فإن من لم يعرف طرق السياسة ربما نسبوه إلى غرض وخاصمه أحد الخصمين وأخرجه عن كونه ميزان عدالة . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : أخلاق الزوجة على صورة أخلاق الرجل في نفسه لأنها منه خلقت ، فمن جهل شيئا من أخلاقه فلينظر إلى أخلاق زوجته فإنها تغمز عليه ، فإن أردت يا أخي استقامة زوجتك في الأخلاق فاستقم مع اللّه فيما بينك وبينه ، قال : وهذا أمر قد أغفله غالب الناس فصاروا يشكون من أخلاق زوجاتهم ولا ينتبهون لنفوسهم ولو أنهم عرفوا ما قلناه لرجعوا لنفوسهم فاستقاموا في أخلاقها فاستقامت أخلاق نسائهم ا ه .